القرطبي

309

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني : واختلفوا في الصغائر ، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم ، وصار بعضهم إلى تجويزها ، ولا أصل لهذه المقالة . وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول : الذي ينبغي أن يقال إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها ، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا ، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها ، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان ، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات ، [ بالنسبة ] إلى مناصبهم وعلو أقدارهم ، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس ، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة . قال : وهذا هو الحق . ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين . فهم - صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم ، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم ، صلوات الله عليهم وسلامه . الثالثة عشرة - قوله تعالى : ( فتكونا من الظالمين ) الظلم أصله وضع الشئ في غير موضعه . والأرض المظلومة : التي لم تحفر قط ثم حفرت . قال النابغة . وقفت فيها أصيلا لا وأسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد ( 1 ) ويسمى ذلك التراب الظليم . قال الشاعر : فأصبح في غبراء بعد إشاحة ( 2 ) * على العيش مردود عليها ظليمها

--> ( 1 ) الأواري ( واحدها آرى ) حبل تشد به الدابة في محسبها . واللأى : المشقة والجهد . والنؤى : حفرة حول البيت لئلا يصل إليه الماء . والجلد ( بالتحريك ) : الأرض الصلبة . راجع خزانة الأدب في إعرابه . ( 2 ) الإشاحة : الحذر والخوف لمن حاول أن يدفع الموت . قال صاحب اللسان : ( يعني حفرة القبر يرد ترابها عليه بعد دفن الميت فيها ) .